الجصاص

108

أحكام القرآن

إلى أرباب الأموال وصاروا بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها . وهذا الذي فعله أبو بكر في مانعي الزكاة بموافقة الصحابة إياه كان من غير خلاف منهم بعد ما تبينوا صحة رأيه واجتهاده في ذلك . ويحتج من أوجب قتل تارك الصلاة ومانع الزكاة عامدا بهذه الآية ، وزعم أنها توجب قتل المشرك إلا أن يؤمن ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة . وقد بينا المعنى في قوله تعالى : ( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وأن المراد قبول لزومهما والتزام فرضهما دون فعلهما . وأيضا فليس في الآية ما ادعوا من الدلالة على ما ذهبوا إليه ، من قبل أنها إنما أوجبت قتل المشركين ، ومن تاب من الشرك ودخل في الاسلام والتزم فروضه وأقربها فهو غير مشرك باتفاق ، فلم تقتض الآية قتله إذ كان حكمها مقصورا في إيجاب القتل على من كان مشركا ، وتارك الصلاة ومانع الزكاة ليس بمشرك . فإن قالوا : إنما أزال القتل عنه بشرطين ، أحدهما : التوبة وهي الإيمان وقبول شرائعه ، والوجه الثاني : فعل الصلاة وأداء الزكاة . قيل له : إنما أوجب بديا قتل المشركين بقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) فمتى زالت عنهم سمة الشرك فقد وجب زوال القتل ، ويحتاج في إيجابه إلى دلالة أخرى من غيره . فإن قال : هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر الشرطين في الآية . قيل له : ليس الأمر على ما ظننت ، وذلك لأن الله تعالى إنما جعل هذين القربين من فعل الصلاة وإيتاء الزكاة شرطا في وجوب تخلية سبيلهم ، لأنه قال : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) وذلك بعد ذكره القتل للمشركين بالحصر ، فإذا زال القتل بزوال سمة الشرك فالحصر والحبس باق لترك الصلاة ومنع الزكاة لأن من ترك الصلاة عامدا وأصر عليه ومنع الزكاة جاز للإمام حبسه ، فحينئذ لا يجب تخليته إلا بعد فعل الصلاة وأداء الزكاة ، فانتظمت الآية حكم إيجاب قتل المشرك وحبس تارك الصلاة ومانع الزكاة بعد الاسلام حتى يفعلهما . مطلب : يجب علينا بيان دلائل التوحيد والرسالة وتعليم أمور الدين قوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) . قد اقتضت هذه الآية جواز أمان الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة الاسلام ، لأن قوله : ( استجارك ) معناه : استأمنك ، وقوله تعالى : ( فأجره ) معناه : فأمنه حتى يسمع كلام الله الذي فيه الدلالة على صحة التوحيد وعلى صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة عليه وبيان دلائل التوحيد والرسالة حتى يعتقدهما